الشيخ محمد رشيد رضا

403

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفي العمل ببيان الحكم والمصالح في أحكام الاعمال ، وهو ما فصلناه تفصيلا في هذا التفسير وبينا أنواعه في مقاصد القرآن من مباحث الوحي في أول تفسير هذه السورة بأنواعها الدينية والعقلية والاجتماعية ، وتقدم الكلام على معناه اللغوي وأنواعه في تفسير الفاتحة وأول سورة البقرة . ( الرابعة الرحمة للمؤمنين ) وهي ما تثمره لهم هداية القرآن وتفيضه على قلوبهم من رحمة ربهم الخاصة وهي صفة كمال من آثارها إغاثة الملهوف ، وبذل المعروف ، وكف الظلم ، ومنع التعدي والبغي ، وغير ذلك من أعمال الخير والبر ، ومقاومة الشر ، وقد وصف اللّه المؤمنين بقوله ( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) وبقوله ( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) وهذه الصفات الأربع مرتبة على سنة الفطرة البشرية فالموعظة التعاليم التي تشعر النفس بنقصها وخطر أمراضها الاعتقادية والخلقية ، وتزعجها إلى مداواتها وطلب الشفاء منها ، والشفاء تخلية يتبعها طلب التحلية بالصحة الكاملة ، والعافية التامة ، وهو الهدى ، ومن ثمراته هذه الرحمة التي لا توجد على كمالها إلا في المؤمنين المهتدين ، ولا يحرمها إلا الكافرون الماديون ، حتى قال بعضهم إنها ضعف في القلب ، يجعل صاحبه كالمضطر إلى الاحسان والعطف ، وما هذا القول إلا من فساد الفطرة ، وقسوة القلب وفلسفة الكفر ، فلقد كان أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا ، أرحم الناس وأشدهم عطفا ، وهو سيد ولد آدم محمد رسول اللّه وخاتم النبيين ، الذي وصفه ربه بما وصف به نفسه من قوله ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) بل جعله عين الرحمة في قوله ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) وكذلك كان أصحابه ( رض ) حتى كان من يوصف بالشدة والقسوة كعمر بن الخطاب [ رض ] صار من أرحم الناس وسيرته في ذلك معروفة وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تنزع الرحمة الا من شقي » رواه أبو داود والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة ( رض ) وقد صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم انه كان إذا سمع وهو في الصلاة بكاء طفل تجوز في صلاته ، اي اختصر وخفف رحمة به وبأمه ، وروى ابن إسحاق ان بلالا [ رض ] مرّ بصفية وبابنة عم لها على قتلى قومهما اليهود بعد انتهاء غزوة قريظة فصكت ابنة عمها وجهها وحثت عليه التراب وهي تصيح وتبكي فقال صلّى اللّه عليه وسلّم له « أنزعت الرحمة من قلبك حتى مررت بالمرأتين على قتلاهما » وجاء اعرابي